(Group).bmp (187554 bytes)

  1. بلده الأحساء:

    كان اسم البحرين قديماً يشمل الساحل الشرقي للجزيرة العربية وما قاربها ، بما في ذلك جزيرة البحرين نفسها ، وكانت هجر مدينة من مدنه وجواثى كذلك ، وقد يطلق الناس الآن هجر ويعنون بها الأحساء حالياً. والأحساء كان في السابق يطلق على مواضع من البحرين ثم شمل أكثر البحرين ، واقتصر حديثاً على التسمية القديمة وشمل القرى والمدن المجاورة ، فصار يطلق على الهفوف والمبرز والقرى التابعة والمنطقة الزراعية المحيطة بها . وانحصر في العقود المتأخرة وقبلها بقليل إطلاق البحرين على جزء منه يسمى في السابق (أوال) أو جزيرة البحرين . وقد حدد ابن خلدون المنطقة بقوله : (( البحرين إقليم يسمى باسم مدينته ، ويقال هجر باسم مدينة أخرى منه كان حضرياً فخرّبَها القرامطة وبنوا الأحساء وصار حاضرة . هذا الإقليم مسافة شهر على بحر فارس بين البصرة وعمان شرقيها بحر فارس وغربيها متصل باليمامة )) .


  2. حظها من التمدن والحضارة:

    لما زار الرحالة ناصر خسرو الأحساء قال : (( والأحساء مدينة وسواد أيضاً ، وبها قلعة ، وفيها عيون عظيمة ، ووسط القلعة مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة . وينسجون بها فوطاً جميلة ويصدرونها للبصرة وغيرها ، وفيها تمر كثير حتى إنهم يسمِّنون به المواشي )) . أما ابن بطوطة الذي جاب كثيراً من البلاد قال : (( وبها من النخل ما ليس ببلد سواها ، ومنه يعلفون دوابهم )) . وقال ابن خلدون : (( كثيرة المياه ببطونها على القامة والقامتين ، كثيرة البقل والفواكه )) . وقال حمد الجاسر : (( من المعروف – منذ أقدم العصور- أن هذه البلاد (البحرين) كانت بالنسبة لمختلف الجزيرة أزهاها حضارة ، وأخصبها أرضاً ، وأغزرها مياهاً ، وأكثرها خيرات وأقواها صلة بالأقطار المجاورة للجزيرة )) . ثم لما تحدث عن الصناعات التي بها قال : (( بل إن كثيراً من الصناعات انتشرت بين العرب من جراء صلتهم بهذه البلاد كصناعة الدبابة وغيرها )) . يقول الدكتور عبدالله بن علي : إننا لو تتبعنا أقوال المؤرخين من هيرودوث إلى تويمبي في رسمهم لصورة شرقي الجزيرة العربية وتاريخه الحضاري القديم لوقعنا على حقيقتين . أولاهما : أن هذه المنطقة كانت ملتقى لكل حضارات الإنسان القديم . وثانهيما : أنها كانت مبدأ لحضارة عريقة ونقطة انطلاق لشعوب هاجرت منها لتشيد حضارات في أودية الأنهار وفي الشام والشمال الأفريقي وكثير من بلاد العالم المعروف قبل الميلاد . ويقول المؤرخ العلامة الشيخ يوسف : يغلِب على الظن أن مجاري العيون التي في الأحساء كانت بتخطيط من العماليق الفينيقيين لأنهم نزلوا هذه البلاد ثم رحلوا منها للبلاد المجاورة . وللأحساء تاريخ قديم وحضارة كبيرة وأرض خضرة تطرقت بعض الكتب إلى وصفها وتحليلها .


  3. فضل الأحساء:

    ومع ما حبا الله به الأحساء من مياه وزراعة وحضارة فقد كان لعبد القيس – أهل الأحساء – فضل السبق للإسلام ، فقد نوّه الله سبحانه وتعالى بذكرهم في كتابه الكريم ، روى الطبري في تفسير قوله تعالى : (( وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً )) عن مطر الورّاق قال : (( أسلمت الملائكة طوعاً ، والأنصار طوعاً ، وعبدالقيس طوعاً ، والناس كلهم كرهاً )) . وذكر مثل ذلك ابن عطية في تفسيره ، وروى الديلمي نحوه ، ذكره في فتح القدير . وروى القرطبي في تفسيره عن أنس بن مالك قال : (( قال رسول الله صلي الله عليه وسلم في قوله عزّوجلّ ((وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً )) قال : الملائكة أطاعوه في السماء والأنصار وعبدالقيس في الأرض )) . والإشارة إلى عبدالقيس في الآية وبلادهم الأحساء منح هذا البلد وأهله كرامة خصها الله بهم في كتابه الكريم ، وعُدَّ ذلك من فضائلها إذا تفاضلت المدن والبلدان . أما الأحاديث فمنها أحاديث وفادة عبدالقيس على الرسول صلي الله عليه وسلّم مروية بطرق كثيرة في البخاري وغيره . ففي البخاري عن ابن عباس قال : (( إن وفد عبدالقيس لما أتوا النبي صلي الله عليه وسلّم قال : من القوم (أو من الوفد)؟ قالوا : ربيعة ، قال مرحباً بالقوم (أوبالوفد) غير خزايا ولاندامى – الحديث )) . ومن فضائل الأحساء وأهلها دعائه صلي الله عليه وسلّم لهم ، وإخباره بأنهم خير أهل المشرق ، وأنه دخل بلادهم ، وأنهم أشبه الناس بالأنصار . روى الإمام أحمد من حديث وفد عبد القيس : (( قدمنا على رسول الله صلي الله عليه وسلّم فاشتد فرحهم بنا ، فلما انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا فرحب بنا النبي صلي الله عليه وسلّم ودعا لنا ، ثم نظر إلينا فقال : من سيدكم وزعيمكم ؟ فأشرنا جميعاً إلى المنذر بن عائذ ، فقال النبي صلي الله عليه وسلّم : أهذا الأشج ؟ فكان أول يوم وضع عليه هذا الاسم لضربة بوجهه بحافر حمار ، فقلنا : نعم يا رسول الله ، فتخلف بعد القوم فعقل رواحلهم وضمّ متاعهم ثم أخرج عَيبته فألقى عنه ثياب السفر ولبس من صالح ثيابه ثم أقبل إلى النبي صلي الله عليه وسلّم وقد بسط النبي صلي الله عليه وسلّم رجله واتكأ ، فلما دنا منه الأشج أوسع القوم له ، وقالوا ههنا ياأشج ، فقال النبي صلي الله عليه وسلّم واستوى قاعداً وقبض رجله : ههنا ياأشج ، فقعد عن يمين النبي صلي الله عليه وسلّم واستوى قاعداً ، فرحب به وأَلْطَفه ، ثم سأله عن بلاده وسمى له قرية الصفا والمُشَقَّر وغير ذلك من قرى هجر ، فقال : بأبي أنت وأمي يارسول الله لأنت أعلم بأسماء قرانا منّا! ، فقال : إني وطئت بلادكم وفسح لي فيها ، قال : ثم أقبل على الأنصار فقال: يامعشر الأنصار أكرموا إخوانكم ، فإنهم أشباهكم في الإسلام ، وأشبه شئ بكم أشعاراً وأبشاراً ، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين ، إذ أبى قوم أن يسلموا حتى قتلوا – الحديث . ومن حديثهم ما رواه الإِمام أحمد لمَا قال لهم الرسول صلي الله عليه وسلّم : (( ولا تشربوا في دبّاء ولاحنتم ولانقير ولامزفّت ، اشربوا في الحلال الموكى عليه ، فقال له قائلنا : يارسول الله وما يدريك ما الدبّاء والحنتم والنقير والمزفّت؟ قال : أنا لا أدري ما هيه! ، أي هجر أعز؟ قلنا : المشقّر ، قال : فوالله لقد دخلتها وأخذت إقليدها ، وقال : وقفت على عين الزارة ، ثم قال : اللهم اغفر لعبد القيس إذ أسلموا طائعين غير كارهين ، غير خزايا ولا موتورين ، إذ بعض قومنا لا يسلموا حتى يخزوا ويوتروا ، قال : وابتهل وجهه ههنا من القبلة – يعني عن يمين القبلة – حتى استقبل القبلة ثم يدعوا لعبد القيس ، ثم قال : إن خير أهل المشرق عبد القيس )) ، والخيرية باقية فيهم إن شاء الله . ومن مفاخر الأحساء أن الله عزّوجلّ خيّر نبيه في الهجرة إليها ، روى الترمذي والحاكم أن رسول الله صلي الله عليه وسلّم قال : (( إن الله أوحى إليّ أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك ؛ المدينة أو البحرين أو قِنَّسرين )) . وروى البخاري عن ابن عباس قال : (( أول جمعة جمِّعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلّم في مسجد عبدالقيس بجواثى ، يعني قرية من البحرين )) ، قال ابن حجر : فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام . ولما ارتدت العرب عن بكرة أبيها ثبت أهل جواثى ، واستنجدوا بأبي بكر رضي الله عنه فأنجدهم بالعلاء ابن الحضرمي فسار لها فأنقذهم ممن أحاط بهم من الأعراب ، وساروا سوياً لفتح البلاد المجاورة وعبروا الخليج إلى فارس فاتحين ناشرين لواء الإِسلام في كل فج . واستمروا على ذلك متمسكين بالسنّة ناشرين لواءها ، إلا ما كان في عهد القرامطة ، الذين غلبوا على أهلها ، وسرعان ما عادوا بعدها كما كانوا ، ويخبرنا عن حالهم في تلك الأيام الخوالي ابن تيميه حيث قال في رسالة لهم : (( أما بعد فإن وفداً قَدِموا من نحو أرضكم ، فأخبرونا بنحو ما كنا نسمع من أهل ناحيتكم من الاعتصام بالسنّة والجماعة ، والتزام شريعة الله التي شرعها على لسان رسوله ، ومجانبة ما عليه كثير من الأعراب من الجاهلية التي كانوا عليها قبل الإسلام ، فالحمدلله الذي عافانا وإياكم مما ابتلى به كثيراً من خلقه ، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً … وليس هذا ببدع فأهل البحرين ما زالوا من عهد رسول الله صلي الله عليه وسلّم أهل إسلام وفضل )).


  4. مكانة الأحساء العلمية:

    اكتنف الغموض والجهل جوانب كثيرة من تاريخ الأحساء فلا يهتدي الباحث لبدء الحياة العلمية في هذا البلد ولامتى صارت كعبة لقصاد العلم من شرقي الجزيرة العربية وما جاورها من بلدان نجد وعمان وساحل فارس وجنوب العراق ، غير أننا نجد في دائرة المعارف وصفاً على أنها كانت في القرون الوسطى من مراكز الدراسات المالكية المهمة ويمكن تحديد هذا التاريخ بما بين 484-802 . ويرجع بناء المدارس لتعليم العلوم الشرعية والعربية إلى دولة العيونيين (467-636) التي تلت دولة القرامطة ، فشرع مؤسسها عبدالله بن علي العيوني في بناء المساجد والمدارس لتعليم العلوم الشرعية والعربية . ولعل الأمر أخذ في الاتساع عندما تولى الحكم شكر بن علي بن عبدالله ابن علي العيوني حوالي عام 545 الذي عُرف بالعلم والورع والفروسية . واستمر حال الأحساء مصدراً للعلم وإشعاعاً للمعرفة وكعبة لطلاب العلم من دول الخليج ونجد وجنوب العراق ، فقد كان يقدم إلى مدارس الأحساء طلاب من البحرين – الجزيرة المعروفة – ومسقط وأماكن بعيدة أخرى . قال الشيخ أحمد بن عبداللطيف الملاّ عن التعليم في الأحساء : (( كانت هناك حلقات دراسية في بعض البيوت مثل بيوت المبارك والملاّ والعمير والعبدالقادر ، والمساجد تدرس فيها العلوم الإسلامية ، وكان يؤم الأحساء العديد من أبناء الخليج لتلقي الدراسة في بيوت علمائها ، حيث كانت الأحساء محط الأنظار للعلم والمعرفة )) . ومدارس الأحساء وحلقاته العلمية وإن كانت تدرس المذاهب الأربعة إلا أن أخصها مذهب الإِمام مالك لذلك قال عبدالله البسام : (( إن طلبة العلم في نجد يسافرون إلى الأحساء وإلى العراق وإلى الشام ويتلقون علومهم هناك ، ويعتنقون مذاهب شيوخهم الذين يأخذون العلم منهم فمن درس في الأحساء أخذ مذهب الإِمام مالك ومن درس في العراق أخذ مذهب أبي حنيفة …)) . نعم كانت قرى الأحساء وبواديها مالكية أما عاصمتها الهفوف والمبرز ففيها جميع المذاهب ، وبها مدارس لكل مذهب وإن كان المالكي هو الغالب عليها لعوامل سنذكرها في مبحث لاحق عن انتشار المذهب المالكي . والشيخ البسام الذي أورد ذلك الكلام ذكر في كتابه ذلك تراجم لكثير من الحنابلة الذين تلقوا علومهم في الأحساء ، وهذا يشير إلى أمور :
    الأول : عدم اقتصار الأحساء على المالكية .
    الثاني : قد لايكون هناك تحامل من عبدالله البسام على المالكية عندما لم يذكر في كتابه عن علماء نجد طوال ستة قرون إلا الحنابلة وربما ذَكَر غيرهم نادراً جداً فيُظَن أنهم حنابلة .
    الثالث : نجده لم يذكر من العلماء المالكية والشافعية ممن تُعْرف أصولهم في تلك البلاد ، مع أنه كتب في مقدمته : (( هو أشمل كتاب ظهر عن علماء نجد حيث لم يقتصر على طائفة خاصة بل تراجم لعلماء الدعوة السلفية وخصومهم )) . وبتتبع ثنايا الكتاب يقف القارئ على ما يدل على اهتمام المؤلف بالحنابلة فقط من نجد أو ممن أصولهم من نجد خلافاً لعنوانه العام ، وقد اعتذر مؤلفه قائلاً : (( ويعلم الله أني والحمدلله من أبعد الناس عن العصبية الطبقية والمذهبية والوطنية المحدودة حينما خصصت هذه التراجم بالعلماء النجديين دون غيرهم من علمائنا في الحرمين الشريفين أو في الأحساء أو في غير ذلك )) ، ثم علل ذلك بأن غيرهم قد ترجم لهم ، هو ما لا نوافقه عليه بل نشير هنا إلى أنه يحوز على مخطوطات ووثائق نادرة عن أهل الأحساء لم يتح لغيره مثلها . وإنما أردنا ذكر من ترجم لهم الشيخ البسام مِنَ الحنابلة مَنْ كانت الأحساء غاية مطلبهم ونهاية رحلتهم في طلب العلم وبعضهم كانت الأحساء بداية رحلته وهو نادر . ومعلوم أن الحنابلة في حاضرة الأحساء قلة ولم يشتهر منهم إلا بيت آل فيروز ، فورود الحنابلة للأحساء يدل على كثرة الواردين لها من الشافعية وأما من المالكية فما لا حصر له ، ونذكر من الحنابلة ما يأتي : (مشيرين لرقم ترجمته من كتاب علماء نجد في آخره ) .
    1. الشيخ محمد بن عبدالوهاب صاحب الدعوة – قرأ على الشيخ عبدالله بن عبداللطيف الأحسائي الشافعي ، 1 .
    2. الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ ، من أحفاد صاحب الدعوة (1265- 1342) ، 5 .
    3. الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى (1270-1343) درس على الشيخ عيسى بن عكاس قاضي الأحساء بها ، 16.
    4. الشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد (000-1232) قال ابن بسام : (( وبعد أن قضى وطره من الشام قدم الأحساء للأخذ عن علامتها الشيخ محمد بن فيروز ، فقرأ عليه فنوناً عديدة ثم رجع إلى بلده الزبير ، وصار إليه المرجع في أمور الدين )) ، 27 .
    5. الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد بن عفالق (1155-1257) درس في الأحساء موطنه وسافر إلى الشام والقاهرة والحرمين ، درَّس في الدرعية والمدينة وصار شيخ الحنابلة في القاهرة إلى أن توفي ، 31 .
    6. الشيخ حجي بن حميدان (000-1192) قال ابن بسام : (( ولد في بلاد فارس فشب سنّياً صحيح العقيدة فقرأ في بلاده ، فلما أراد التروي والاستزادة من العلم توجه إلى الأحساء )) ، ثم أذن له شيخه في الأحساء في التعليم والخطابة في الزبارة بقطر ، 54 .
    7. الشيخ سيف بن أحمد العتيقي (000-1189) بعد أن مهر في العلوم الشرعية في سدير رحل إلى الأحساء للأخذ عن علامتها ابن فيروز فتوفي بها ، 101 .
    8. الشيخ صالح بن سيف العتيقي (1163-1223) ، أخذ عن علماء سدير ثم انتقل إلى الأحساء وأخذ عن علمائه ثم استقر في الزبير ، 106 .
    9. الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن عدوان (000-1179) ، رحل من الوشم ودرَس في الأحساء ،160 .
    10. الشيخ عبدالله بن داود (000-1125) قال ابن بسام : (( نشأ بالزبير وقرأ القرآن ومبادئ العلوم ثم ارتحل إلى الأحساء ، حتى بلغ مبلغاً جيداً في الفقه والفرائض والأصول وعلوم العربية ثم عاد إلى الزبير فدرَّس فيه وأفتى وصنّف وانتفع به خلق كثير )) ، 187 .
    11. الشيخ عبدالله بن عثمان بن جامع ( كان حياً 1225) ، أخذ العلوم عن ابن فيروز ، 205 .
    12. الشيخ عبدالمحسن بن علي الشارخي (000-1187) ، قرأ على علماء أُشَيْقِر حتى أدرك ثم رحل إلى الأحساء ودَرَس بها ثم أُجيز وأُذن له في الإِمامة والخطابة والإِفتاء في الزبير فانتقل إليها وتقضّى بها ، وبها توفي ، 227 .
    13. الشيخ عثمان بن عبد الله بن جامع (000-1240) درَس في الأحساء ثم طلبه أهل البحرين للقضاء والتدريس ، 238 .
    14. الشيخ ناصر بن سلمان بن سحيم (1177-1226) ، قرأ على علماء الزبير ثم رحل للأحساء للأخذ عن علمائها فأجازوه ثم رجع إلى موطنه الزبير وشرع يدرّس ، 336 . هؤلاء ممن رحلوا للأحساء من الحنابلة مع عدم شهرة الأحساء بالمذهب الحنبلي فكانوا في بلادهم بعد دراستهم في الأحساء علماء وقضاة ومفتين فما بالك بغير الحنابلة من المالكية والشافعية والأحناف مع الإِشارة لقلة الأحناف . تقول مجلة المدرسة الثانوية بالأحساء : (( كل علماء الخليج وقضاته إنما تلقوا علومهم في الأحساء )) ، وذلك إما أن يكونوا وفدوا ودرسوا في الأحساء أو تلقّوا علومهم على مشايخ من الأحساء قد تولوا التدريس في تلك البلاد. وفي الوقت الحاضر نجد أن الشيخ محمد بن حسن الخزرجي الذي هو الآن وزير العدل في دولة الإِمارات العربية المتحدة في أبوظبي وكان قبل ذلك قاضياً بها ، قد تلقى علومه في الأحساء . والشيخ أحمد بن عبدالعزيز آل الشيخ مبارك ، بعد أن تلقى تعليمه في الأحساء ، وهو من أهلها ، استقضى في الظهران والقطيف ثم صار رئيساً للقضاء الشرعي في أبوظبي نحو عام 1390 حتى وفاته عام 1409 رحمه الله . وكذلك في عمان التي أكثر أهلها من الخوارج لم تخل بعض مدنها وقراها من شافعية وحنابلة ومالكية ، فكانوا لا يُعَوِّلون على غير الأحساء في تعلميهم فمنهم : الشيخ سعيد بن محمد البريكي إمام مسجد في ناحيته . والشيخ صالح بن إبراهيم الكمشكي المتوفى عام 1407 بعد دراسته في الأحساء رحل للكويت فصار خطيب جمعة فيها وعاد عام 1397 لعمان . والشيخ سيف بن محمد بن عباس الصابري بعد دراسته في الأحساء صار خطيباً لجامع الفيحاء بالكويت . والشيخ عبيد بن أحمد المجيسي بعد دراسته في الأحساء عاد لبلده فصار خطيباً . وفي قطر نجد الشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري تلقى علومه في الأحساء وانتقل بعد مدة لقطر وتولى إدارة إحياء التراث الإِسلامي بها حتى توفاه الله عام 1410 . والشيخ محمد بن أحمد بن حجر آل بوطامي بعد تعلمه في الأحساء عاد لقطر استقضى بها ولايزال كذلك . أما البحرين فجل قضاتها وكل رؤساء التمييز بها من الأحساء أو ممن دَرَس في الأحساء ؛ فالشيخ يوسف بن أحمد الصدّيقي رئيس التمييز الحالي بها درس في الأحساء . والشيخ عبدالله الفضالة من قضاة التمييز الحاليين درس في الأحساء على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مبارك رحمه الله . والشيخ عبدالرحمن بن مهزع رئيس التمييز قبل الصديقي درَس في الأحساء على الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبداللطيف آل الشيخ مبارك . والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل الشيخ مبارك رئيس التمييز قبل ابن مهزع من أبناء الأحساء وفضلائه . وكان قبلهم الشيخ قاسم بن مهزع الذي تولى قضاء البحرين مابين (1292-1345) تلقى علومه العالية في الأحساء على الشيخ عبداللطيف بن الشيخ مبارك وغيره . وتولى قضاءها قبل هؤلاء جماعة من علماء الأحساء منهم الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ مبارك والشيخ عبدالرحمن ابن عبدالله بن جعفر وغيرهم . وإذا عدنا لتاريخ الكويت نجد أن جل علمائه درَسوا في الأحساء أو تخرجوا على من درَس فيها من الأحسائيين أو ممن درَس في الأحساء من أهل الزبير . وسيأتي لنا ما يؤكد ذلك عند حديثنا عن انتشار المذهب المالكي .


  5. حالة العالم الإِسلامي:

    لايمكنني هنا إلا الإِيجاز الشديد عن حالة العالم الإِسلامي في الفترة ما بين 1170-1230 ، أي نحو ثلثي قرن وهي الفترة التي تقابل حياة الشيخ العلمية . تعتبر هذه الفترة فترة تراجع وانحسار على المستوى السياسي في العالم الإِسلامي ، فالحروب الدائرة بين الروس والدولة العثمانية أتت على أكثر من مدينة أخذتها روسيا ، هذا عدا الحركات الانفصالية التي ضعضعت الدولة العثمانية من ناحية أوروبا . وكان لضعف الدولة العثمانية وحامياتها الأثر السئ على بعض أطرافها ، فهاجم نابليون مصر عام 1213 وخرج منها عام 1216 ، وهاجمها الإِنجليز عام1222 ولم ينجحوا ، وكانوا قد مدُّوا نفوذهم على الخليج العربي قبل تلك الفترة ، وقد ضعف سلطان بني خالد في الأحساء فاستقلت بلاد الخليج بحكم نفسها شكلياً كالكويت والبحرين وقطر . وقد استقل بعض الحكام المسلمين ببعض الولايات العثمانية كمحمد علي بمصر عام 1220 الذي قاد حملة التغريب من حيث لا يشعر . وفارس المسلمة كانت بين أنياب ثلاثة روسيا وفرنسا وإنجلترا ، وقد تعقد اتفاقيات مع بعض هذه الدول ضد الأخرى ولكن إذا ما هوجمت فارس تنصل عنها حليفها النصراني ، فانتزعت منها روسيا القيصرية بعض ولاياتها واستفادت منها إنجلترا في خدمة مصالحها في الهند مع ما انتزعته من جزرها في الخليج . أما في أفغانستان فالحال أحسن لقوة دولتها المسلمة ولكنها وحيدة بين أعدائها النصارى والسيخ والهنادك ، وعلى عداء وفي حروب مع شبه القارة الهندية . وقد كثر في تلك الفترة تدخل الإِنجليز في شؤون الهند ولم تخل البلاد من مقاومة إسلامية ضدهم ، ولكن الإِنجليز بمعونة الهنادك استطاعوا عام 1274 تأسيس شركة الهند الشرقية التي بمثابة امتلاك الإِنجليز لأرض الهند . والحال في جزر المحيط الهندي أسوأ حالاً فهي في فترة مخاض وانتقال من مستعمر هولندي إلى مستعمر إنجليزي أو فرنسي . وفي غرب العالم الإِسلامي فتونس تحت حكم الأسرة الحسينية التابعة اسمياً للدولة العثمانية ، ولم تخل من تدخلات اقتصادية استعمارية فرنسية . وفي الجزائر المجاورة كان الحكم اسمياً لدولة الخلافة ، وكان لدى حكام الجزائر أسطول بحري قوي يحميها من عدوان النصارى إلى أن تحالف النصارى ضدها فيما بعد فهاجمتها فرنسا عام 1246 . والأسرة العلوية كانت تحكم المغرب ولم تكن على صلات جيده بجارتها الجزائر المسلمة ، على أن حالها لم يهدأ مع البرتغاليين . أما إفريقيا فإن طلائع الاستكشاف الاستعمارية الغربية قد نشطت فتم غزو بعض ممالكه ، وكل دولة مسلمة لاتعلم بحال جارتها . أما الجزيرة العربية فكانت مصرعاً للقتال والحروب الدائرة على العقيدة حيناً وعلى المصالح المادية أخرى ، هذا عدا الإِغارات على المدن وقوافل الحج التي قلما سلمت منها الجزيرة إلا بعد استقرار حكم الدولة السعودية . وقد نالت الأحساء نصيباً وافراً من هذه القلاقل لما لها من مكانة اقتصادية واستراتيجية مهمة . وكما اعترى الأمة الإِسلامية تمزق سياسي ووهن أطمع الأعداء فيها فقد اعتراها شئ من الفتور العلمي ، وعم الجهل بعض المناطق البعيدة عن الحواضر الكبيرة كالبوادي ونجد فقد عمها بسبب الجهل كثيرة من البدع التي وصفها مؤرخو نجد مبالغة بأنها اعتقاد في الأشجار والأحجار وبناءً على القبور والتبرك بها والاعتقاد في أصحابها والنذر لها والذبح للجان وغير ذلك من أنواع الشرك الأصغر والأكبر التي حارب لأجلها الشيخ محمد بن عبدالوهاب تلك البلاد وسائر الأمصار . والصحيح أن بعض حواضر العالم الإِسلامي قد أصابها شئ من ذلك ولكن يختلف ضعفاً وقوة إلاأننا لانعلم في الأحساء شيئاً يدعو إلى تلك المبالغات ، حتى إن ابن غنام (وهو من الأحساء) حين عرض لقدوم الأمير سعود بن عبدالعزيز إلى الأحساء عام 1207 بطلب من أهل الأحساء فإنه قال متحدثاً عنه : (( ثم أمر بهدم ما في البلاد من أماكن الرفض والبدع والزيغ والأهواء والضلال وإزالة القباب على القبور )) وهذا كلام عام ويعني به الروافض في سياق ما فعله الأمير سعود بأهل الأحساء ولم يُسَمّ لنا قبراً واحداً أو شجرة أو حجراً كما تم ذلك في نجد وهو من أعرف الناس ببلَدِهِ الأحساء . وحاصل القول أن دولة الخلافة العثمانية في تلك الفترة كانت في ضعف ، وأن دول الاستعمار الغربي النصراني بدأت بغزو أطراف الأمة المسلمة ، وأن كثيراً من الدول الإِسلامية أصبحت في انقسام وحروب مع جيرانها وأخواتها . ولم تسلم الجزيرة العربية نفسها بل كانت مهداً لحروب داخلية دينية ومذهبية . وكانت المراسلات والردود العلمية بين علماء الإِسلام في معظم أقطاره وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأتباعه تترى طلباً للحق ودفعاً للضلالة.